الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١٨٣ويفعل عندنا واحد.
والدليل على صواب ما قلنا: من كتاب الله، وهو ﴿أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ﴾ [يونس:35]، ويؤثر على غيره قول الله: ﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:48]، وقال: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:20]، يعني قبول الإيمان والبصر، وهو قول عبده الصالح الخضر لموسى بن عمران، عليه وعلى نبيّنا محمد أفضل الصلاة والسّلام ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:67]، فقال له موسى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:69]، فردّ أمر صبره ومشيئته إلى الله، وأخبر أنّه لا يقدر أن يفعل شيئا إلاّ بمشيئة الله، فلمّا لم يصبر قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:72]، فأكّد الكلام الأوّل مرارا بأنّه لا يستطيع معه الصبر، ومثل هذا كثير في كتاب الله، وفي كلام العرب أنهّم يقولون: إنّه لا يستطيع النظر إليك، ولا يستطيع لحديثك، يعني الاستماع بغضا له وكراهية لأمره.
والدليل على وجوب الاستطاعة مع الفعل، عدم الفعل عند الزّمانة، إذ لا بد أن يوجد شيئا ضدا، وخلافه لما يوجد ضدّه ويعدم لما يوجد ضدّه، وهذا موجود عند كل عاقل، كما أنّ الكرم وحسن الخلق يوجب الثّناء الحسن والحمد والثناء والثّواب الكريم، وأنّ الكفر والفسوق وسفاسف الأخلاق يوجب الذمّ والعذاب الأليم، وأنّ الكافر ممنوع من الإيمان، كما أنّ المؤمن مفطوم من الكفر، وقد أخبر الله بذلك في غير موضع، فقال: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء:94]؟ فكان قولهم: هو المانع لهم، والممنوع غير مستطيع لما منع له.