الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١٩٠فإن قالوا: ما تقولون في قوله - عز وجل - في المُظاهر إذ يقول: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ﴾ [المجادلة:3،4]، إلى آخر الآية، فلو طاوعكم الحانث المظاهر فظاهر، فقال: إنيّ لا أستطيع الصّوم غير أنيّ آخذ فيه، وأنا معذور في ما لا أستطيع.
قلنا: إذا كان لا يستطيع من آفة نازلة به فهو معذور، وإلاّ فأخبرونا عن الآكل والشّارب، هل هما يستطيعان الإمساك في حال ازدراد الطّعام واجتراع الشّراب؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد قالوا: باجتماع الأضداد في حالة واحدة، فيكون آكلا غير أكل؛ فيجتمع الفعل والتّرك في حالة واحدة.
فإن قالوا: لا يستطيع التّرك باشتغاله بالأكل، فلو ترك الأكل لكان مستطيعا للتّرك؛ فقد صدقوا.
فإن قالوا: أوليس في هذه الآية ما يدلّ على أنّ الاستطاعة قبل الفعل؟ قلنا: الاستطاعة ها هنا متعلّقة بالمال كاستطاعة الحجّ متعلقة بالزّاد والرّاحلة، فإذا اجتمعت له شروط الحجّ فهو مستطيع لسبيل الحجّ غير مستطيع للحجّ حتى يقصد إلى قطع المناسك في أوقاتها، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء:25] الآية. إنمّا أراد استطاعة المال، وليس هذا اختلافا إنمّا الاختلاف في استطاعة البدن.
مسألة: أوليس الاستطاعة عندكم لا تبقى أكثر من حال الفعل؟ قلنا: بلى.
فإن قالوا: فما معنى قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:16]؟ قلنا: قد قيل: فيها قولان:
أحدهما: فاتّقوا ما استطعتم فعل شيء من الأشياء، كما قدمنا أنّ الله لا