الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١٩٣فكتشاغل الكافر بفعل الكفر، فلا يستطيع فعل الإيمان لاشتغاله بضدّه من الكفر، فهذا غير معذور لأنّه غير عاجز.
وقالت المعتزلة: لا يستطيعون للخلقة والزمانة، وأمّا التّشاغل فلا يجوز أن يقال عندهم: المتشاغل لا يستطيع، وأما حسين وسليمان فيزعمان أن المتشاغل عاجز وليس ذلك عندنا كذلك، لأنّ العاجز معذور، والمتشاغل غير معذور فيسمى عاجزا.
فإن قالوا: هل تسمّون العاجز والزمن تاركا؟ قلنا: لا، وأمّا المتشاغل بالفعل فهو عندنا تارك لضدّه، وليس يكون التّرك إلاّ في موضع أظنّه يمكن فيه الفعل، ولو قال إنسان: تركت الصّعود إلى السّماء، أو قال المقعد: تركت أن أعدو على رجلي لكانا محيلين، ولو قال الكافر: "تركت الإيمان"، [وقال] المؤمن: "تركت الكفر"؛ لكان ذلك منهما قولا سائغا وكلاما صحيحا.
فصل: فإن قال قائل: هل كلّف الله الكافر الإيمان في حال كفره؟ قيل له: نعم.
فإن قال: كلّفه ما لا يستطيع؟ قيل له: نعم، كلّفه ما لا يستطيع فعله لاشتغاله بالكفر، لا لعلّة آفة أو لزمانة حلّت به، ألا ترى إلى قول الله - عز وجل -: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:20]، وليس المعنى في هذا أنهّم لا يستطيعون سمع الأصوات ولا يبصرون الألوان، ولكن المعنى سمع القبول؛ أي: لا يقبلون ما دعاهم /70/ إليه النّبي - عليه السلام -؛ إذ شغلوا قوّتهم بترك القبول لما دعاهم إليه، وكذلك لا يبصرونه على معنى لا يعقلونه، فوصفهم الله أنهّم لا يستطيعون لا لزمانة حلّت كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء:94] الآية، فكان