الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٢٢٠بالشهوات، فلو كان أمر الإضلال بإذنه لأهلك الخلق بأسره؛ لأنه قد أجهد نفسه في إضلالهم، وعزم على هلاكهم، لقوله تعالى حكاية عنه ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء:118،119] إلى آخر الآية، وقال: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:62]، فقال تعالى مجيبا له: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء:65]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾ [سبأ:21] الآية، وقد علم عدوّ الله أنّه لا يقدر على إضلال كل العباد؛ لأنه قال: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:83] ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:62]، قال تعالى حكاية عنه يخاطب أهل النّار ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:22]؛ أي: قدرة وملك فأقهركم به، ﴿إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:22] الآية، ولكنّ الله خلق العباد وهو عالم بما هم عاملون من هدى وضلال، /80/ وكفر وإيمان، وعالم بما هم إليه صائرون من جنّة ونار، وشقاوة وسعادة، فمن سبقت له منهم السّعادة في علمه ألهمه إلى طريق الجنّة وهداه، وحبّب إليه الطّاعة وزيّنها له بما جعل على عملها من الثّواب، وأعانه على فعلها، وخلقها منه في حال فعله إيّاها من غير إكراه ولا جبر، وعصمه من دواعي الفتن وما يؤول إليها، ونهاه عن المعصية وزجره عن ارتكابها، وكرّهها إليه بما جعل عليها من أليم عذابه، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:7،8]، لا وجوبا وفرضا.
ومن سبق له من عباده الشّقاء في سابق علمه، وارتكب الكفر بإرادة من قلبه