الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٢٢١مع تزيين الشيطان من فعله، وخذلان الله إيّاه من غير جبر ولا اضطرار من ربّه، وكّله إلى نفسه، ولم يعصمه من إبليس ودواعيه، ولم يوفّقه لعمل الطّاعة، فشقى بأعماله الخبيثة مع خذلان الله إيّاه، وسعد الآخر بأعماله الصّالحة مع توفيق الله إيّاه، وعونه على اكتسابها؛ لأنه يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، فلا عذر لمن أضلّه الله ولا حجّة له؛ لأنه اتّبع هواه وكره ما رضي الله، وبالله التوفيق.
فصل: فإن قال قائل: ما معنى قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام:108]، قيل له: وجدت عن بعض العلماء، قال: معنى هذه الآية: جعلنا لهم من يزيّن أعمالهم كما قال تعالى: ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ﴾ [يوسف:18]، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل:24].
فإن قال: ما معنى قوله: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:83]؟ قيل له: هذه إرسال تخلية لا إرسال إهمال، كما قال الشاعر:
ومن يرسل الكلب العقور ببابه … فعقر جميع النّاس من صاحب الكلب
أي: يخلي.
مسألة: فإن قال: أخبرني عن الجوارح، أهي مخلا بينها وبين العمل من الطّاعة والمعصية، أم هي ممنوعة؟ قيل له: إنّ الله تعالى لم يخل بينها وبين العمل تخلية إهمال كما قالت المعتزلة. ولم يمنعهم جبرا واضطرارا كما قالت المجبرة.
مسألة: فإن قال: هل حال الله بين المؤمنين والكفر؟ قيل له: نعم، باكتسابهم الإيمان لا حيلولة جبر ولا منع.
فإن قال: هل حال بين الكافر والإيمان؟ قيل له: نعم، باشتغاله بالكفر وارتكابه إيّاه، لقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِي﴾ [الأنفال:24].