الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٢٣٧وأمّا الوجه الخامس: الذي هو(1) الثّواب والنّجاة، فنحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد:5]، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس:9] الآية. فأمّا ما ذهب إليه القوم في معنى الهداية في أنّه بمعنى خلق الهداية والإسلام فيهم أو يخلق ما يوجب ذلك من قدرة وغيرها أو يحملهم على ذلك جبرا أو ما يجري مجراه، فلا يصحّ من وجوه.
أحدها: إنّه لا يصحّ من طريق اللّغة؛ لأنه لا يقال لمن حمل غيره على سلوك الطريق كرها أو جبرا أنّه هداه إليه، وإنمّا يقال في ذلك: ردّه إلى الطريق المستقيم وحمله عليه وأكرهه وجبره عليه، وأمثال ذلك. فأمّا أن يقال: إنّه هداه إليه فغير معقول في اللّغة، وإذا فسد ذلك في اللّغة وجب طرحه.
وثانيها: إنّا بيّنا في أوّل الفصل أنّ القول بالجبر يوجب ويؤدي إلى بطلان الرّسالة والكتاب وبعثة الأنبياء، وسائر ما ذكرناه هناك، وأنّه يؤدي إلى بطلان التّكليف أصلا؛ لأنه إذا كان يحملهم على الهدى جبرا، ويفعل بهم ما يوجبه، فلا معنى له عليه وأمره به وإقامة الدلالة عليه، إذ ليس يحصل شيء من ذلك اهتدءاً، فأمّا ما زعم النجّارية أنّه كسب للعبد، وخلق لله، فهو/86/ احتيال لا حاصل تحت قولهم، ومتى ما فتّش عن ذلك تبيّن عوار قولهم، وذلك أنّ أفعال العباد أعراض، وإنمّا يحصل بشيئين: أحدهما: أن يحدثه محدث. والآخر بحلوله في محل.
(1) زيادة من ث.