الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٢٣٩بذلك دخل في حكم من جعل لله شريكا في أفعاله التي يخلقها، وإذا تقرّر ذلك بطل قولهم في خلق الهداية والإسلام.
وأمّا قولهم في الإضلال ففاسد من وجوه:
أحدها: من جهة اللّغة، وذلك أنّه لا يقال في اللّغة: أضله بمعنى خلق فيه الضّلال، والذي يصحّح ما قلناه أنهّم يقولون: أضلّه فلان عن الطّريق، إذ ليس عليه ما ورد من الشبهة ما تلبس عليه الطريق، فلا يهتدي إليه، ولا يقال: لمن ردّ غيره من الطّريق وصرفه منه وحال بينه وبين سلوكه وما يجري مجراه، وإذا كان كذلك صحّ فساد قولهم من جهة اللّغة.
وثانيها: إنّ الإضلال عن الدين وعن الحق لا يجوز منه بحال؛ لأنّه لا خلاف أنّه لا يصحّ التّكليف إلاّ مع البيان، والإضلال هو التلبيس، والتلبيس والبيان متضادان، لا يصحّ اجتماعهما في الشيء الواحد والحال الواحدة حتى يكون ملتبسا مبيّنا، ظاهرا باطنا، خفيّا جليّا، معلوما مجهولا.
وثالثها: إنّه لو كان الله عن الحق أضلّهم، ومن الهدى صرفهم، لم يكن للاحتجاج عليهم بالرّسل، وإنزال الكتب، وإقامة الأدلّة، والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد معنى ولا فائدة، وذلك لأنّه محال أن يحتجّ على الممنوع أو يبعث أويدعو إلى فعل ما منع خصوصا إذا كان هو المانع.
ورابعها: إنّ قولهم هذا: /87/ يؤدي إلى إبطال كثير من الآيات، نحو قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق:20]، ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر:49]، ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء:94]، فبيّن أنّه لا مانع لهم من الإيمان، وإنّما امتنعوا لأجل إنكارهم بعثه رسولا من البشر، وقال: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن