الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٢٤١عليهم، وقد رماهم بدائه، وعابهم بما فيه دونهم، حيث ذمّهم بما لم يفعلوا، يتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
وبهذا الوجه نقول للمجبّرة لأنّهم يزعمون أنّ إبليس وجنده وجميع من وصفه الله في كتابه بالإضلال عن الدين لم يضلّوا أحدا عن الدين بالحقيقة، وإنمّا أضلّهم الله بزعم القوم دون هؤلاء، لأنّ هؤلاء لا يقدرون على الإضلال بحال على مذهبهم، وإن كان الله تعالى مشاركا لهم في ذلك، فكيف يجوز أن يذمّهم بفعل هو شريكهم على مذهبهم.
ومنه قول الشاعر:
اثنان يبدو منهما الفعل واحدا … يلام عليه ذا وذلك يحمد
وإذا فسد الوجهان، صحّ أنّ الإضلال عن الدين من هؤلاء الموصوفين دون الله.
وسابعها: إنّه تعالى بيّن أنّه يضلّ الظّالمين، وأنّه لا يضلّ إلاّ الفاسقين، وأنّه لا يهدي الكافرين والفاسقين والظّالمين. وأنّه يضلّ من هو مسرف مرتاب، وأنّه يهدي قلب من هو مؤمن، وأن من يجاهد فيه يهديه سبيله، فلو كان الله تعالى يضلّ عباده عن الدين ابتداء لكانت جميع هذه الآيات باطلة؛ لأنه لا خلاف أنّه قد يرتد المؤمن ويكفر، ويؤمن الكافر ويتوب، والضال يهتدي، والمهتدي يضل، وعلى قضيّة قولهم يجب أن يقول: إنيّ لا أضلّ إلاّ المؤمن، ولا أهدي إلاّ الكافر، وذلك ينبئ أنّ ما أضافه إلى نفسه من الإضلال ليس يعني به الإضلال عن الدين.
وثامنها: نفي الألوهية عمّا سواه ممّا كانوا يعبدونه من حيث إنهّم لا يهتدون للحق، فقال تعالى: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن