الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٢٤٢يُهْدَى} [يونس:35]، ونفى ربوبيتهم من حيث لا يهتدون للحق، وأوجب ربوبيته وعبادته واتباعه من حيث يهدي للحق، ولو كان تعالى يضلّ عن الحق لكان قد ساواهم في الإضلال، وفيما لأجله نفى من اتباعهم، بل قد أربى عليهم، ولئن وجب اتباعه من حيث يهدي للحق لوجب سقوط اتباعه من حيث يضل عن الدين.
وتاسعها: إنّ الإضلال عن الدين على /88/ سبيل التمويه والتلبيس إنمّا يفعله العاجز عن الصدّ والمنع، كالشيطان، فإنّه لو قدر على المنع لما اجتهد بالحيلة والوسوسة، وإيراد الشبهة والتغرير، والله تعالى غير عاجز، وإذا لم يكن عاجزا لم يجز أن يضلّ عن الدين على طريق التلبيس والتمويه، ولا يجوز أن يضلّ أحدا عنه على طريق الجبر، لما بيّنا أنّ ذلك ليس بإضلال.
وعاشرها: إنّ الله تعالى إنمّا أضاف ما أضاف إلى نفسه من الإضلال مطلقا غير مقرون بما أضلّه عنه، فلم يقل في شيء من الآيات أنّه أضل ويضلّ عن الدين، وإنمّا قال: أضله أو يضل من يشاء، وبيّنا أنّ هذه اللفظة متى وردت مطلقة كان معناها الإهلاك والإبطال دون غيره، كما بيّنا أنّ لفظة ضل إذا وردت مطلقة كان معناها الهلاك والبطلان دون الضلال عن الدين، والذي يصحح ذلك أنّا بيّنا في المقدمات أنّه لا سبيل إلى إثبات حذف حيث يمكن الجري على الظاهر؛ فإنّه متى أمكن تفسير الآية من غير حذف فلا معنى لإثبات حذف، ونحن نبيّن أنّ الجري على هذه الآيات ممكن من غير حذف، وإذا كان كذلك فلا معنى لإثبات حذف.