الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٢٤٤كذلك يرجع إلى ما تقدّم، وليس قبل ذلك شيء يصحّ أن يسمّى إضلالا إلاّ ما ذكره من تعذيبه إيّاهم.
وثالثها: هو الحكم عليهم وتسميته إيّاهم ضالين، ووصفه لهم به، وقد بيّنا صحّة ذلك من اللّغة والكتاب، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء:88] الآية، يعني به لمَ صِرتم فريقين، فبعضهم يسمّونهم مؤمنين، وبعضهم يسمّونهم كافرين، عنى به: تريدون أن تسمّوا هاديا من سمّاه الله ضالا؟ وهذا واضح كما ترى.
ورابعها: أن يفعل تعالى ما يضلّ العبد عنده، ويظهر عند ذلك ضلاله، وذلك نحو إنزاله آية متشابهة أو يكلّف تكليفا لا يبيّن الغرض أو يضرب مثلا لا يعلم المراد فيه، وعند ذلك يعترض الشّاك في الدين عليه فيقول: فما معنى هذا الأمر وهذا المثل؟ ولم قال: كذا ولم يقل: كذا؟ فيظهر نفاقه وضلاله، وقد بيّن الله تعالى في آيتين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المدثر:31]، إلى قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [المدثر:31]، فلمّا قدم على النّار تسعة عشر، ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر:31]، /89/ يعني: اختبارا لهم وامتحانا، فيقول المنافق والكافر: لم قال: تسعة عشر ولم يقل عشرين؟ وهلاّ جعل عددا تاما؟ وما المعنى في تسعة عشر؟، ثم لمّا أخبر عمّن يعترض عليه، وإيمان من يصدّق ذلك ويسلمه، قال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [المدثر:31]، يعني أن إضلالي العبد على هذا السبيل يكون دون الإجبار أو على وجه التّلبيس من الدين.