الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٢٤٩الجميع بملّة واحدة، كما قال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة:48]، فلو أراد بذلك لجمعهم عليه جبرا لم يكن لقوله: ﴿وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [النحل:93] معنى، إذ لو جاز أن يضلّ عن الدين جبرا لكان جمعهم على الهدى جبرا أولى وأحرى؛ لأنه إذا لم يكن له في ذلك نفع ولا لغيره، بل كان يلحق غيره ضرر من غير سبب يوجبه، لم يكن فعله حكمة، كيف وقد خلق خلقه لينفعهم لا لينتفع بهم، ولأنّه لو كان كذلك لوجب أن لا يقول: ﴿ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان:17]، بل كان يجب أن يقول: "أم أنا أضللتهم"، ولو كان يعني به ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى:8] بالأمر بأن لا يخالف بين الأمم والملل، لم يكن قوله: ﴿وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ﴾ [النحل:93] منتظما لذلك، ولا كان معناه مفيدا على مذهب القوم، بل يقع إضلالهم من حيث خالف بين الملل.
وليس ذلك يوجب الضلال على مذهبهم، إذ لا فرق بين قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى:8] وبين قوله ﴿وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ﴾ [النحل:93] على مذهبهم، وكذلك قوله في سورة المدثر، لا يصحّ أن يكون قوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ﴾ على معنى يضلّ عن الدين؛ لأنه تعالى قدّم ما قدّم من جعله عدّة أصحاب النّار من الملائكة على ما ذكر امتحانا للفريقين، على ما سنبيّنه، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ﴾، يعني مثل ما قدّم، وبمثل ما قدّم لا يقع الإضلال على مذهبهم. وكذلك قوله في سورة الملائكة: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن