قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 05

الجزء ٥ · صفحة ٢٥٠

يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ} [فاطر:8]، لا يصحّ أنّ معناه أنّ الله يضلّ عن الدين من يشاء، إذ لو أراد ذلك لما كان للتّزيين معنى؛ لأنه إذا أضلّه عن الدين جبرا لم يكن للتّزيين معنى، فسواء زيّن ذلك أم لم يزيّن، وإذا قد تبيّن فساد قول من ذهب إلى أنّه يضلّ عن الدين فسنفسّر كل واحدة من الآيات بعون الله وتوفيقه، فنقول: أمّا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:4]، فيحتمل وجوها: /91/

أحدها: العذاب، فيكون معناه أنّه لم يرسل رسولا إلاّ بلسان قومه ليبيّن لهم، ويزيح عللهم في التّكليف بالبيان والحجّة، فيعذّب من يشاء من الكفار بعد إقامة الحجّة وإزاحة العلّة، ويثيب من يشاء من المهتدين القابلين لهداه.

وثانيها: إنّه يعني به الحكم عليهم بالضّلال والهداية، وإنمّا المراد بذلك الإخبار عن ضلالهم وهدايتهم؛ لأنّه تعالى إنمّا يحكم بالضّلال على من كفر، والهداية على من آمن، فكأنّه قال: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾؛ فيكفر بذلك فريق فسمّاهم ضالين، ويؤمن بذلك فريق فسمّاهم مهتدين، فأخبر عن كفرهم وهدايتهم بما يتعلّق به على ما بيّناه في غير موضع من أنهّم يخبرون عن الشيء بذكر ما يتعلّق به.

وثالثها: أنّه يعني به فيضلّ عند ذلك فريق ويهتدي فريق. وأضاف إلى نفسه من حيث وجه الضّلال عقيب بيان الشيء، وعقيب تكليفه إيّاهم على دعائهم في مثل ذلك.

ورابعها: أن يعني بالإضلال في الهداية الهلاك وبالهداية الانجاء، وقال أنّه تعالى أخبر أنّه لا يعذّب أحدا إلاّ بعد أن يرسل إليهم رسولا، فقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:15]، فبيّن أنّه تعالى لم يرسل رسولا إلّا

٢٬٠٦٠ / ٣٦٬٧٥٥