الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٢٦٤وهو لا يدري على ما يحتج؟ وما الذي يثبت أو ينفي؟
وبعد: فلعلّ الآية توجب نفي ما يدّعيه؛ لأنه إذا لم يعلم معناها، فليس هو بأدلّة على إثبات شيء من نفيه، وعلى أنّا إنمّا نناظر من يدّعي إثبات جارحة، فإذا اعترف الخصم أنّه ليس بذي جارحة صحّ مذهبنا، وصحّ أن معنى هذه الآية ليست هي الجارحة، فبعد ذلك مطلق الخصم أن يفسّره على أيّ وجه بعد أن لا يريد الجارحة، على أنّا إنمّا نتكلّم في هذه الآيات على سبيل الدفع، فمتى ما لم يرد الخصم إثبات ما يجب دفعه؛ فقد كفانا مؤونة ذلك، وفي دفع تعلّقه بها، على أنّه يجب عليه ألاّ يتعدّى صيغة النص، ولا يجوز له أن يقول: إنّ لله يدين، لأنّ الله تعالى لم يطلق ذلك على هذه الصيغة، ولم يقل: له يدان وإنّما قال: لما خلقت بيدي، فمتى لم يعلم معناه لم يصحّ أن يقال: له يدان، بل قال: إنّه كذا على نحو ما قال في معناه غير معلوم، فلا يصحّ تعدي ذلك وتجاوزه، لأنّ وجوه الإضافات تختلف:
فمنه ما يكون ملكا؛ كقولك: فرسي وعبدي.
ومنه ما يكون بعضا للكل؛ كقولهم: أسكفة الباب وساحة الدار.
ومنه ما يكون فعلا له؛ كقولك: ضربي وكلامي.
ومنه ما يضاف للتشهير والتعريف؛ كقولهم: سرج الدابة ولجام الفرس.
وقد ذكرنا ذلك في المقدمات مشروحا فليس يجب لأجل قوله: خلقت بيدي أن يثبت لله يدين، ما لم يعلم وجه الإضافة في ذلك.
فإن قيل: إنمّا تركت تفسيره، وعدلت عن تأويله، لقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:7]، قيل له: قد بيّنا معنا في هذه الآية في موضعها، وبيّنا أنّه لا يوجب نفي العلم بتفسير شيء من القرآن، وأنّ التأويل غير التفسير، وشرحنا