الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٢٦٦العقل أنّه لا يجوز أن يكون للذّل جناح، وأنّه لا يجوز أن يكون لهذه الأشياء يدان.
قيل له: وقد عرفنا بحجّة العقل أنّه لا يجوز أن يكون لله يدان هما جارحتان؛ لأنّه يوجب التبعيض، وأنّه ذو آلة يعمل بها، ويقتضي ذلك الانسلاخ(1) من التوحيد، فاعمل في ذلك مثلما عمله فيما ذكرناه ممّا فيه اليد.
وبعد: فقد قال: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ [السجدة:9]، أفنقول: إنّ لله روحا، وأنّ روحه صار في عيسى على ما ذهب إليه أكثر النّصارى من أنّه اجتمع فيه روحان، روح اللاهوت وروح الناسوت؟
فإن قال: لا، ولا بد منه، قيل له: فكذا لا نقول: إنّ له يدين، إن قال: لماّ قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:75] بالياء، أوجب أن يكون له يدان، قيل له: إنّ الباء لا تقتضي ما ذكرت؛ فقد قال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:195]، وليس يلقي الإنسان نفسه إلى التّهلكة بيديه في الحقيقة، وإنمّا يلقيها بقول أو فعل، ليس لليد فيه عمل، وقال: ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:237] وعقد النكاح لا يكون باليد، وإنمّا هو باللّسان، فلا تعلّق في ذلك.
وأمّا قول من ذهب في معناها إلى معنى غير معقول فهو أظهر فسادا، لأنّ إثبات ما لا يعقل لا يصحّ، والبحث عمّا لا يعلم لا يجوز، فكيف يجوز الاستدلال على ما لا يعلم المستدل ما يدل عليه، وما يثبته أو ينفيه؟
(1) في النسختين: الإنساخ.