الجزء 51
الجزء ٥١ · صفحة ٢٥٦العمل واحتجاجه بالعقد، والعقد واقع، دخل في العمل، أو لم يدخل، وإن لم يخصّص الداخل كان أيضا عجبا إطلاقه، والقرآن العظيم يخصّ بلفظ العموم، ويعمّ بلفظ الخصوص، ومعرفة ذلك متعلّق بعلم المنطق، ولا يصحّ إجراء خصوصه فيما لم يعمّه، ولا إخراج ما عمّه عنه من الشرع، وفي الشرع، وقد تأول بعض الشريعة من القرآن، وبعض من القرآن يأول على الشريعة، فيكون تأويله من هذه الحيثيّة على وجهين، فإنّ الشريعة وإن كان أصلها كلها خارجة من تأويل القرآن -الذكر الحكيم-، ومن تأويل تأويله، وهلمّ كذلك جرّا إلى غير غاية تدرك، فإنّ من الذكر الحكيم لا يعلم تأويله إلاّ الشارع صلوات الله عليه، فأوضح منه ما أوضح من الشريعة، فما وجد ظاهر لفظه موافقا لما شرعه - صلى الله عليه وسلم -؛ كان ذلك معناه، وما وجد ظاهر لفظه بخلاف ما شرعه، أو بخلاف بعضه، والبعض موافقا له أُوّل على موافقة الشرع الصحيح، ولم يصحّ إجراؤه على ما لم يوافق الظاهر، والشريعة، والقرآن في الحقيقة لا يتخالفان في شيء، وما لم /145 م/ يوجد في الشريعة من الشريعة؛ أخرج من تأويل القرآن، وهذا هو الميزان الصحيح في معرفة التأويل للتنزيل، وإن رأى بعض الناس إطلاق لفظ عمومي في أشياء أخرجته الشريعة من أن يعمّه ذلك اللفظ لم يسلّم إليه، ولم يعد رأيا صحيحا في الآراء الجائزة إلاّ إذا كان له وجه فيها، أي: الشريعة، وقد ورد مثل هذا كثير في الذكر الحكيم بلفظ العموم، ولم يجز إجراؤه في كلّ شيء يعمّه ظاهر اللفظ، فمن ذلك قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:121]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:33]، فكان في التأويل أنّه نهي تحريم فيما لا يجوز له إبطاله ممّا هو لازم عليه كالصوم في شهر رمضان في الحضر، ومختلف في السفر إن أصبح صائما فيه؛ فقيل: لا