الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٢٦٩وبعد: فلو جاز أن يخاطبنا بما لا نعلمه، ويكلّفنا أن نثبت ما لا نعقله ليجوزنّ أن يكلّفنا الإيمان بشيء لم يثبته، ولا يعرفه أحد من الخلق مشاهدة ولا خبرا. وليس على ثبوته دلالة، وهذا غاية الفساد، ويقال لهم: أتقولون إنّ لهذه الآيات المتشابهة معنى معلوما على طريق اللّغة أو معنى غير معلوم على غير طريقة اللّغة؟ أوليس لها معنى أصلا؟
فإن قالوا: ليس لها معنى أصلا أخرجه من كونه كلاما، واعترف بأنّه ليس من اللّغة، إذ ليس في اللّغة أن يأتي بلفظ لا يفهم أصلا، ولئن جاز ذلك جاز أن يخاطبنا الله تعالى بلغة لا يفهم منها قليلا ولا كثيرا. وإن قال: إنّ لها معنى على غير طريقة اللّغة؛ فالقرآن بعضه ليس بلغة العرب، ولا يجوز أن يزيد أن الله تعالى في اللّغة شيئا عند بعض الأمّة، وعند الآخرين يجوز، ولكن يشترط البيان.
فإن قال: إنّ لها معنى على طريقة اللّغة، إلاّ أنهّا غير معلومة لاحتمالها للوجوه، فليس بعض الوجوه أولى ببعض، فهذا يوجب أن يكون أكثر القرآن لا يفهم؛ لأنّ أكثره يحتمل وجهين وأكثر. وهذا فاسد إجماعا؛ لأنّ جماعة المفسرين يفسّرون الآيات المحتملة للمعاني الكثيرة.
وبعد: فلا بد للآيات المحتملة الوجوه من أن يكون هنالك دليل على المراد به، إذ لا بد للحكيم تعالى من أن يدلّ على مراده، وإنمّا يخاطب على وجه يفهم.
ويقال: أليس الجّد في اللّغة يقع على أب الأب، وعلى النحت، وعلى العظمة. وقد قال الله تعالى: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن:3]، أفيجوز أن يعنى به أب الأب، والنحت.
فإن قال: لا، ولا بد منه؛ لأنه ليس أحد فيجوز أن يكون لله أب الأب،