الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٢٧١تقرّر ذلك، وقد دلّ العقل على أن صانع العالم لا يجوز أن يكون على حالة تدل تلك الحالة على حدثه وعجزه؛ لأنّه يوجب كونه محدثا، وكونه محدثا ينفي أن يكون صانعا، وفي ذلك إبطال الألوهيّة، وارتفاع الوحدانية.
والوجه في ذلك أن نبيّن أنّه تعالى واحد بالحقيقة، لا مثل له ولا شبيه بالأدلّة العقلية والسمعية، وإذا تقرر ذلك وصحّ تبيّن من بعد أن تفسيرهم الآية على إثبات الجارحة وما شاكل ذلك من الكون في الأماكن يؤدي إلى إبطال تلك الأصول؛ لأنّه معلوم أن اليد غير الرجل والوجه، لأنّ له يدين بزعمهم وليس ليده يد، وكذلك له وجه وليس لوجهه وجه ويد، فما له وجه ويد، ليس الذي لا يد له ولا وجه، وقد تبيّن أنّه أشياء كثيرة متغايرة، وأنّه ليس بشيء واحد، والكثير لا يكون واحدا بالحقيقة، إلاّ أن يزعموا أنّه واحد على سبيل المجاز، كقولنا: إنسان واحد، [وبلد واحد](1)، وألف واحد، على أنّه إن جاز أن يكون ما هو تأليف وصورة وهيئة من أجزاء وجوارح موصولة، وأعضاء متفاوتة، وتركيب مختلف صانعا قديما، وأن يقدر على اختراع الأجسام وإنشاء ما أنشأ من ضروب النبات والحيوان لتجوّزوا ذلك من غيره من أمثاله، مما هو جسم ذو أعضاء وأبعاض وأجزاء.
وبعد: فمتى كان بهذه الصّفة فهو دون أشياء وأمثال وجودا وتوهّما، ولا خلاف أنّه لا مثل له موجود ولا موهوم، وقد نصّ عليه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:11] وأمّا قول الموحّدين وتفسيرهم لهذه الآيات على ما نفسره فيها عليه فهو أصحّ الأقوال لوجوه أنه لا يلزمهم في ذلك من التّشبيه والتناقض
(1) زيادة من ث.