الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٢٧٦والجواب: إنّ الظّاهر لا تعلّق لهم فيه؛ لأنهم إمّا أن يذهبوا إلى جسد معلوم أو جسد غير معلوم، فإن ذهبوا إلى جسد معلوم صرّحوا بالتشبيه، ولزمهم أن يقولوا: ذو أوصال وأعضاء، ويلزم في ذلك ما ألزمناهم ما تقدّم.
وإن قالوا: جسد غير معلوم لزم في ذلك ما ذكرنا، قيل على أنّه لا يصحّ أن تفسر النفس في هذه الآيات بمعنى الجسد لأنّ قوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:116]، لو كان المراد به الجسد، لوجب أنّ معنى الآية أنّه يعلم ما في داخل جسده من القلب والأمعاء وغير ذلك، وأن لا يعلم غيب ما في جسد الله وفي داخله من أمثال ذلك، وما أظنّ أحدا ممن ينتحل ملّة الإسلام يستحل أن يقول به.
وبعد: فلو كان المراد به ما ذكرناه لم يكن قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:116] جوابا عمّا سأله عنه؛ لأنه لا تعلّق لعلمه بما ذكرناه بالذي يسأل عنه، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:28]، لا يصحّ أن يفسر بمعنى الجسد؛ لأنّ التحذير بالجسد لا يصحّ ولا يقع [به، وإنمّا يقع](1) بفعل يفعل به.
وبعد: فليس يخلو من أن يكون المحذِّر والمحذَّر منه واحدا أو اثنين، فإن كان واحدا فتكون النفس تأكيدا على ما سنبيّنه، وإن كان غيره فهما نفسان، وفي ذلك إبطال التوحيد، ويجب أن يخاف من النفس ولا يخاف منه.
وكذلك قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:54]، لا يخلو إمّا أن يكون الكاتب هو المكتوب عليه، أو يكون الكاتب هو الربّ والمكتوب
(1) زيادة من ث.