الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٢٨٠أنا أظنّ خارج، فيبطل أظن وتعمل في الاسم فعله، وقد قال: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَأَىهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:6،7]، ولم يقل: نفسه.
وأقول: إنّ من عادة العرب أن تضع ألفاظا مكان ذات الشيء اتساعا في ألفاظها، وتمكّنا من الإخبار عنها، وليس لذلك معنى سوى التّمكين من الإخبار أو لحسن الكلام، فمن ذلك الوجه والنفس والعين فيقولون: فعلته لوجهك؛ أي: لأجلك، وابتغيت به وجهك، ويقال: رأيت زيدا نفسه، وفعله بنفسه، وهذا نفس الرأي، وعين الصّواب، ووجه الأمر وأشباه ذلك.
فأمّا معاني هذه الآيات فقد بيّنا ما يحتمله لفظ النفس في اللغة ولا خلاف في أنّه لا يصحّ أن يراد بها في الآية الدم أو العين أو الدبغة أو الأنفة أو الإرادة أو الروح، وقد أبطلنا أن يراد به الجسد، فإذا بطل ذلك(1) فهي إذا تأكيد وتخصيص، وذكر عائد على ما تقدم، نحو ما بيّنا، وقد فسّر جماعة من الصّحابة والتابعين هذه الآية بما يوافق قولنا.
فروى مسلم عن عمرو بن عبيد عن الحسن في قوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:116]، قال: تعلم ما في غيبي، ولا أعلم ما في غيبك. وروى أبو مسلم المكي، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه مثل ذلك.
وفسّره جماعة من الصّحابة، كابن عباس وغيره، تعلم سري ولا أعلم سرّك، وهذا أصحّ الوجوه، وإن لم يكن السرّ يسمى نفسا، وإنمّا ذهبوا إلى معنى ما في قوله: ﴿مَا فِي نَفْسِي﴾؛ لأنّ ما تقع على غير النّفس، والذي في النفس شيئان: أحدهما: الأعضاء الباطنة، والآخر: ما يعتقده الإنسان في قلبه وهو السر، فلمّا
(1) زيادة من ث.