الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٣٠٧إنّ قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:75] يوجب أنّ له يدين هما جارحتان، وأنّه خلق آدم بهما، فهو محتاج إليهما، مستعمل لهما، وإنّه يفعل بالآلات والجوارح، وإنّه يتجزأ ويتبعّض؛ لأنّ اليدين اثنان، والاثنان ليس بواحد، وكذلك قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ تقتضي ما ذكرناه أجمع، ويوجب أن تكونا مبسوطتين لا تنقبضان؛ لأنه إن جاز فيهما القبض والبسط لم يكن لهما في هذا الوصف تخصيص، ويوجب كونهما مركبتين ذاتي أصابع ليصحّ معنى البسط والخصم، لا يقول بذلك على أنّه تعالى تمدّح بكونهما مبسوطتين، ولا يتمدّح بكون يدين مبسوطتين له؛ لأنّ أيدي المخلوقين تكون كذلك، فأي تخصيص له في ذلك؟
وقوله: ﴿مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾؛ يوجب أن يكون خالق الأنعام أيديه دونه، ويوجب أن يكون له أكثر من يدين، ولا يقول بذلك مسلم، ويقتضي سائر ما تقدم، فإمّا أن يلتزم الخصم جميع ما ذكرنا فيؤدي إلى مفارقة الإجماع، والخروج من مذهبهم أو يرجعوا /111/ إلى قول أهل الحق على أنّ الأصول الأربعة من العقل والكتاب والسنّة والإجماع تنفي أن يكون لله تعالى جارحة على ما بيّناه؛ لأنه يوجب الكثير وينفي الوحدة، ويوجب التشبيه، ويوجب كونه عاجزا محتاجا إلى الجوارح والآلات، وهو يوجب حدوثه وينفي قدمه، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
فأمّا معاني هذه الآيات؛ فاليد في اللّغة تستعمل على معان شتى:
أحدها: الجارحة المعروفة.
وثانيها: بمعنى النعمة والإحسان، يقال: "لفلان عندي يد بيضاء".
قال الأعشى يخاطب ناقته:
متى ما تناخي عند باب ابن هاشم … تراحي وتلقي من فواضله يدا