الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٣٠٩حتى إذا ألقت يدا في كافر … وأجن عورات الثغور ظلامها
فاليد تستعمل بمعنى أمام، إذا كان مقرونا بها بين، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ:46]، ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف:57] وقوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:12]، وقوله: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:1].
فاليد تستعمل تأكيدا للإضافة، وتخصيصا لها، فيقال: "فعله بيديه"، كما يقال: "فعله بنفسه"، كقولهم: "يداك أوكتا وفوك نفخ"؛ أي: أنت فعلته بنفسك دون غيرك. وقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:75] لا يحتمل إلا أحد شيئين: إمّا أن تكونا جارحتين خلقه بهما، فتكون اليدان في ذلك كالآلة، وهذا فاسد لما بيّناه.
وثانيهما: أن يكون تخصيصا للإضافة، وتأكيدا لها، وهو أصحّ الوجوه. فأمّا ما سوى ذلك فلا وجه له في الآية لأجل الياء(1)، فإنهّا لا تدخل في هذين الموضعين، ويدلّ على المراد به. وهذا الموضع غير الجارحة وغير ما يجري مجراه ممّا يعمل به قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل:40]، [فاختلفت الأمّة في ذلك على قولين:
أحدهما: إنّه يخلق جميع ما يخلق، ويفعل جميع ما يريد بقوله: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾](2).
والآخر: إنّه إخبار عن تكوينه الأشياء من غير تعذر عليه ولا امتناع، وأنّه مستغن في الخلق عن شيء يخلق له من آلة، وقول يقول به، فكيف يجوز أن