قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 05

الجزء ٥ · صفحة ٣١١

يكون خلق آدم بجارحتين أو ما يجري مجراهما مع هذا؟ وهل ذلك إلاّ مؤد إلى التناقض الظّاهر.

وأمّا قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾؛ فمعناه يرجع إلى النعمة؛ أي: نعمتاه دينا ودنيا مبسوطتان على خلقه، لأنّ أول الآية توجب هذا، وذلك أنهّم قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:64]، ولم يرد أنهّم قالوا: "إنّ لله يدا هي جارحة، وهي مغلولة"، فلا يجيز ذلك معترف بالله، وإنمّا شكوا انسداد نعمه عنهم، فأجاب بإبطال ذلك إذ كانت نعمتاه في جميع الأحوال على جميع عباده مبسوطتان، لا يدّخر عنهم ما يحتاجون إليه، وهذا /112/ نظير قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء:29]؛ يعني: لا تبذّر ولا تقتّر، فإقام اليد وبسطها عبارة عن التّقتير والتبذير على سبيل الفصاحة والبلاغة، وهذا ظاهر في اللّغة، يقال: "فلان جعد اليدين، وكزُّ اليدين" إذا كان بخيلا، و"فلان بسط الأنامل وواسع الكف طويل الباع" إذا كان جوادا وقال:

بسط اليدين بما في رحل صاحبه … جعد اليدين بما في رحله قطط

فإن قيل: فلم قال: ﴿يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:64]؟ قيل: هذا على عادة العرب، وذلك أنهّم متى أقاموا شيئا مقام غيره استعارة ومجازا أجرَوا الوصف نحو قوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر:2]؛ أي: أتاهم أمر الله فأقام نفسه مقام المحذوف في إجراء الوصف عليه، وعلقه(1) به، وهو معروف.

(1) في ث بياض بمقدار كلمة.

٢٬١١٧ / ٣٦٬٧٥٥