الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٣٢٣الباب الحادي والعشرون في القبضة
من كتاب الإرشاد: والقبضة في كلام العرب الملك والقدرة والنفس وإفناء الشيء وقبض الأرواح. فالملك والقدرة قولهم: "ما فلان إلاّ في قبضتي"؛ أي: في ملكي وقدرتي، وصار المال في قبض فلان؛ أي: ملكه.
وأمّا القبضة التي هي إفناء الشيء فهو قولهم: "قد قبضه الله إليه" يعنون قد أفناه الله من الدنيا، لا أنّه قد قبضه إليه الله القبضة المعقولة بيننا باليد التي هي الجارحة، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
فإن قال قائل: ما معنى قول الله - عز وجل -: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:67]؟ قيل له: قد روي عن ابن عباس والحسن وقتادة أنهّم قالوا: في قدرته وسلطانه وملكه. وقال غيرهم: يعني فانية ذاهبة يوم القيامة بقدرة الله (وهو القادر على فنائها، وجائز أن يقال: "الأشياء في قبضة الله تعالى"؛ أي: في ملكه، لا قبضة جوارح، إذ الجوارح عن الله تبارك وتعالى منفيّة.
وأمّا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة:245]؛ فقيل: يقتر؛ أي: يضيق على قوم ويوسع على من يشاء، لا يريد بذلك قبض اليد التي فيها الأصابع ولا بسطها، فلو كان ذلك كذلك، لما جاز أن يكون قابضا باسطا في حالة واحدة، والله تعالى في حال واحد يقبض الرزق على من يشاء ويبسط على من يشاء، وفي الحال الذي هو قابض عن هذا باسط على هذا؛ لأنّه على كل شيء قدير.