الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٣٣٢قيل لهم: كيف تزعمون أنه ينزل إلى سماء الدنيا مع صغرها في جنب العرش؟ ويقال لهم: سماء الدنيا أعظم أم العرش؟ فإن قالوا: العرش.
قيل لهم: العرش أعظم أم من تعبدون؟ فإن قالوا: من نعبد؟
قيل لهم: أتعقلون شيئا عظيما يحويه أصغر منه، ويحيط به؟! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، والله أعلم.
مسألة: في قوله - عز وجل -: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:22]، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:210]، المعنى في ذلك: جاء قضاء ربك بالثّواب والعقاب والجزاء، وغير ذلك من أمور الآخرة، في ظلل من الغمام، نجعل ذلك الغمام علما بينه وبين عباده، إذا جاء الغمام علموا أنّه قد جاءهم القضاء والجزاء، كما جعل الغمام في الدنيا علما للغيث، وغير ذلك من الأشياء، ليس أنه يجيئ ويذهب متنقلا ولا زائلا، تعالى الله عن ذلك.
وقيل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾؛ أي: وعد ربك. وقيل: أمر ربك، ومعناهما قريب، والله أعلم.
فصل: ومن كتاب شرح قصيدة الشيخ فتح بن نوح المغربي: وأما ما احتجوا به من المجيء والانتقال في قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر:22] الآية، وما زعموا أنه على العرش وفي السماء دون ما سوى ذلك، فيكفي في ذلك إجماع الأمة فيما بلغنا أن الله - عز وجل - كان ولا مكان ولا وقت ولا زمان، ولا ليل ولا نهار، ولا سقف ولا بساط ولا عرش ولا ماء، وأنّه كان ولا شيء معه ولا شيء قبله، ثم خلق الأشياء لا لحاجة منه إليها، ولا ليجر بها منفعة، ولا ليدفع عن نفسه مضرة. فقال المؤمنون ومن وافقهم من سائر الموحّدين: إنّ الله - عز وجل - بكل مكان كما كان، ولا مكان ولا زمان، وإن أحداثه
- عز وجل - لجميع ما أحدث لم يوجب له تغييرا في صفاته، لأن التغير من صفات المحدَث المخلوق، ولو كان المجيء والانتقال على ما قاله الجاهلون؛ لكان قوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل:26] على معنى الانتقال حتى البنيان، ولكان قوله: ﴿مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود:56] على معنى القبض منه لناصية كل دابة بالمباشرة، ولكان قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾ [النور:39] على معنى ما يعقل من المجيء المعقول من الانتقال المفهوم، الذي هو من مكان إلى مكان، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ولكان قوله: /120/ ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:10] على كون اليد على اليد بالمباشرة والملاصقة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
والمعنى في هذا كما قدمنا ذكره قبل هذا، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾؛ أي(1): أمره وقضاؤه، يدل عليه قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل:33]، ومعنى قوله: ﴿مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ على معنى أنّ كل دابة في ملكه، وأنّه القادر عليها، مأخوذ من قولهم: ناصيتي بيديك، وليس في ذلك معنى المباشرة، وكذلك قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾؛ [أي: منة الله عليهم فوق منتهم، كما قدمنا ذكره، وقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾](2) كقول القائل يدي فوق يدك؛ أي: قاهر لك غالب؛ لأن اليد هي القدرة والملك والسلطان، ومنه قول الشاعر:
وما من يد إلاّ يد الله فوقها … وما ظالم إلا سيبلى بظالم
وقال الشماخ يرثي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: