الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٣٤٤قال الشاعر في معنى استولى:
إن هو مستوليا على أحد … إلاّ على جزية الملاعين
والاستواء القهر والغلبة قال:
فلما علونا واستوينا عليهم … تركناهم صرعى لناب وكاسر
ويكون الاستواء بمعنى القصد للتدبير إلى الشيء، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت:11]؛ أي: قصد إلى السماء بتدبيره، وعجائب تقديره؛ فقد صار الاستواء هاهنا بمعنى على فكأنه قال: ثم استوى على السماء مدبرا فيها ما يشاء، فاستواؤه - عز وجل - على عرشه، إنما هو استيلاؤه عليه بالملك والسلطان لا شريك له، فإذا ثبت بهذه الشواهد العقلية، والشواهد(1) الضرورية، أن الاستواء على ضروب متفاوتة، فلم لم تعتمد المشبهة إلى أرفعها منزلة، وأعلاها درجة، وأبعدها تنزيها؟ فتصف الله تعالى به إذا كان - عز وجل - بعيدا من صفات الخلق ومعاني النقص، ولو كان استواؤه على المعقول لكان تصويره لما في الأرحام على المفهوم، وإتيانه لبنيانهم على المعقول، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فلما كان الأمر على ما ذكرنا، ثبت أن الله - عز وجل - لم يزل مستوليا على عرشه، قبل خلقه إيّاه واختراعه له بأن يوجده في أي وقت شاء، ومستوليا عليه في حال إيجاده إياه، فإن كان ممسكا له، ومبقيا له بأن يحدث له البقاء الذي يبقى به في كل وقت، خلافا لمن قال: إن "ثم" هاهنا بمعنى الاستئناف، والتقدير في خلقه السماوات والأرض لم يزل مستوليا على العرش وغيره بالقهر والغلبة.
(1) في ث زيادة: الاحتجاجات.