الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٣٥١الله - عز وجل - الأعلى في القلوب من التعظيم والقدر والشرف ما لم يجعله للأسفل، كما عظّم بعض الشهور وبعض الأيام وبعض الليالي وبعض الساعات وبعض البقاع على بعض، وكان قد جعل للعرش ما لم يجعل مثله للكرسي،(1) ما لم يجعل للسّماء، فذكر العرش والكرسي والسماء، ممّا لم يذكر به شيئا من /125/ خلقه، فذكر مرة العرش والكرسي والسّماء في جملة الخلق، وأنّه عال على جميعها بالقدرة والسلطان وإنمّا خصّه بالذكر؛ إذ كان مخصوصا عنده بالشرف والتعظيم، وأنّه فوق جميع الخلق؛ لأنّه من قدر على عالي الأشياء فهو قادر على أسافلها، وليس من قدر على أسافلها أن يكون ذلك موجبا له القدرة على أعاليها، فمتى ما ذكر الله أنّه على العرش ظاهر عليه فهو دليل على أنّه عال على كل شيء.
فمرّة يذكر العرش، ومرة يذكر الكرسي دون العرش، ومرة يذكر السماء دون الأرض، ومرة يذكرهما جميعا لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:3]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:84]، ومرة يقول: ﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك:16]، وترك ذكر الأرض، فلو كان [في ذكر السماء دون الأرض دليل على أنّه في السماء دون الأرض، لكان] في ذكره العرش دليل على أنّه ليس في السماء،(2) 204/ 5 وقد قال: ﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾، ولكن الله يذكر جملة الأشياء بالتدبير فيها والقدرة عليها، ويذكر العرش والكرسي تارة بالتخصيص لهما والتفخيم، كما ذكر الأنبياء والملائكة ? جملة؛ فخص منهما
(1) في ث زيادة: جعل للكرسي ما لم يجعل مثله للعرش، وجعل للعرش والكرسي.
(2) في ث زيادة: دون الأرض لكان في ذكره العرش دليل على أنّه ليس في السماء.