الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٣٦٤والله تعالى لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها؛ لأنه قبل أن يجاهد لا يعلمه مجاهدا، فكذلك قبل حصول الملك لا يكون مالكا مستوليا عليه، ولذلك قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:54]؛ فأوجب أنّ استواؤه عليه بعد خلقه ما ذكره، على أنّ العرش ليس من السماوات والأرض ولا ممّا بينهما؛ لأنه فوق السماوات، فلو أراد بذلك العرش الذي هو السرير لوجب أن يقول: وخلق العرش ثم استوى عليه، إلاّ أن يقولوا: إنّ العرش لم يزل، وذلك باطل إجماعا، ولأنّ قوله: ﴿اسْتَوَى﴾، يوجب أنّه لم يكن عليه إلاّ بعد خلق السماوات والأرض وما بينهما.
فإن قال: أليس قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ [غافر:7]؟ [قلنا: ليس](1) ننكر كونه وإنمّا ننكر المتعالي عن الأماكن عليه، فيكون محمولا بزعم القول.
فإن قيل: ولماذا خلق العرش؟ قيل له: جاز أن يكون خلقه متعبدا للملائكة، يطوفون حوله ويحملونه، فتعبّدهم بذلك كما تعبّدنا بالطواف بالبيت، واستقباله وزيارته، وسمّاه بيته وإن لم يسكنه، وقد نطق الكتاب بذلك في قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر:7] الآية، يصحح ما ذكرناه في تأويل الآية، وما روي عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، قال: استوى أمره وقدرته في بريّته أو قال: خلقه.
(1) زيادة من ث.