الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٣٦٩الْوَرِيدِ} [ق:16]، فالذي يدلّ على تناقض مذهبهم أنهّم يقولون تارة: إنّه على العرش، ومكانه فوق السماوات، وتارة يقولون: إنّه في السماء، وإنمّا وجد ذكر الملائكة وإن كانوا جملة، وكانوا المعينين بقوله: ﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ لأنّ لفظة "من" تقع على الواحد والجمع، فمتى حملت على اللفظ وحدت، ومتى ما حملت على المعنى جمعت.
وقد ورد بكل من ذلك الكتاب والشعر. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:23].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر:55]. قالوا: فهذا يوجب كونه في مكان.
الجواب: إنّه يريد الرفعة والمنزلة السنية، كما يقال: "فلان عندي بالمنزلة الخطيرة"، "لفلان عندي جاه عريض"، وهو عنده بالمنزل الأعلى، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة:12]، ولا خلاف أنّه المجرمين لا يكونون عنده على جهة المكان، وإنمّا وصف أحوالهم، وسنبين انقسام لفظة "عند" فيما بعد ما يسقط تعلّقهم بظاهره.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:76]. وكذلك قوله: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:96]؛ وأمثالها من الآيات التي فيها لفظة "عند"، قالوا: وذلك يقتضي مكانا.