قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 05

الجزء ٥ · صفحة ٣٧٣

وبعد: فإن هذه الآيات وردت مورد التهديد، والرجوع الذي يقول الخصم به من أفضل المنازل وأعلى المراتب، فكيف يجوز التهديد بما هو منية المتمني؟ ويدل على ذلك قوله تعالى حكاية عن أهل الإيمان أنهّم يقولون: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ في أحوال المصائب، على طريقة التسليم لأمره، والانقياد والاستسلام والرضى بقضائه وقدره وأحكامه، وإنمّا اختصوا به إذا كان أريد المعنى الذي قلناه بأنّه يتصور كل واحد منهم أنّه ينزل به وأنّه يرجع في آخر أمره إلى حيث لا يتولى الحكم بين الخلق إلاّ هو.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:50]، قالوا: فقد بيّن أنّه تعالى فوقهم.

الجواب: إنّه ليس في ظاهرها ما ادعوه، وإنمّا فيه أنهّم يخافون من فوقهم؛ أي: يخافون من تلك الجهة، لأنّ "من فوقهم" يتعلق بالخوف، ولو كان صفة الله تعالى لم يحصل به التخويف.

وبعد: فقد بينا أنّه يستعمل على سبيل القهر والسلطان، فيقال: هو فوقك /134/ أي: عال عليك، مقتدر على ما يريده فيك، وبينا ذلك في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:10].

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِي﴾ [الأنعام:18]، قالوا: "فوق" تستعمل بمعنى المكان، إذا كان على مكان آخر.

الجواب: إنّا قد بينّا في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أنّ "فوق" تستعمل بمعنى المبالغة، فيقال: زيد فوق عمرو في العلم، ويد الأمير فوق أيدينا، فإذا كان كذلك لم يكن مقصودا على رده إلى المكان، والله تعالى قد نبّه على ما

٢٬١٧٥ / ٣٦٬٧٥٥