الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٣٨٣وليس لأحد من الخلق أن ينظر إلى الله جهرة لا في الدنيا ولا في الآخرة.
ونظر من جهة العلم، مثل قولهم: "انظر إلى ما صنع فلان"؛ أي: اعلم ذلك منه، قال الله تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء:21]، ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ [الإسراء:48]، ونحو ذلك يريد: اعلم.
وأمّا نظر جهة الجهر، فهو معاينة الشيء ورؤيته /138/ وإدراكه والإحاطة به، وذلك منفي عندنا عن الله تعالى.
وقيل: معنى الرؤية هي المعرفة إلاّ ما كان يدرك من جهة الأبصار، فذلك رؤية جسم، وأمّا ما سواه فالرؤية بمعنى المعرفة، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان:45]، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:1]، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم:83] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة:243]، ومثل هذا في القرآن كثير، وكل ذلك معناه:
ألم تعلم ذلك وتعرفه بالخبر الذي أخبرتك به. واللغة ناطقة شاهدة بذلك، يقول القائل: قد أرى ما يجيء منك وأرى الحق كما أراك؛ أي: أعرف الحق كما أعرفك، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ﴾ [يس:31]، وهم إذ ذاك لم يكونوا وإنما خلقوا من بعدهم، وإنما عرفوا ذلك بالإخبار لا بالنظر بالعين، وقوله - عز وجل -: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران:143]، والموت لا يرى جهرة، وإنمّا رؤيته بالمعرفة له، وقد مدح الله نفسه فقال: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:103]، فمن زعم أنّ الأبصار تدركه في الآخرة؛ فقد زعم أنّ مدائح الله - عز وجل - تزول في الآخرة،