قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 05

الجزء ٥ · صفحة ٣٩٠

لحجتهم وأبين لبطلان قولهم، وقد كانوا سألوه من قبل أن يكلمه الله بحضرتهم، فاختار موسى - عليه السلام - منهم سبعين رجلا، وسار بهم إلى الميقات، فلمّا كلمه الله بحضرتهم، قالوا: اسأل الله الرؤية لتبين لقومك أنها لا تجوز عليه، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:143] ومراده في ذلك أن يأتيه الله بجواب يكون زجرا لبني إسرائيل عن الإقامة على هذا السؤال؛ فقال: ﴿قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:143]، ثم جعل الجبل دكا وهم ينظرون إليه، وأتاهم عند ذلك بالصاعقة والرجفة؛ فصعق موسى - عليه السلام - والسبعون الذين اختارهم. فموسى لم يمت والسبعون ماتوا ثم أحياهم الله وبعثهم من بعد موتهم، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:56]، فجوابه لموسى - عليه السلام -: إنّك لن تراني زجرا لقومه عن الإقامة على هذا السؤال ومطلبهم على موسى ما لا يجوز على الله تعالى.

وتاب موسى - عليه السلام - إلى الله تعالى؛ لأنّه سأل من غير إذن من الله تعالى له في هذا السؤال، وصعق امتحانا لا عذابا؛ لأنّ ذنبه كان صغيرا مغفورا له، وكذلك الذين نالتهم الصاعقة من السبعين، إنمّا نالتهم امتحانا لا عقابا، يدلّ على ذلك قوله - عز وجل - مخبرا عن موسى - عليه السلام -: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف:155]، لأن موسى والسبعين لم يسألوا الله تعالى الرؤية، وإنما سأل ذلك السفهاء من قومه؛ لأنه لو كان هو سأل ذلك لما قال: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ﴾؛ فبين أنه إنما سأل ليبين الله تعالى لقومه أن هذا السؤال لا يجوز على الله، فلا حجة لمن احتج بأن الرؤية لو لم يكن كونها لما قال موسى - عليه السلام -: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:143]، وهو نبي الله أعلم به من غيره، لما دلّلنا من إرادة موسى

- عليه السلام - أن يكون الجواب من الله تعالى لقومه لتنقطع حجتهم عنه، والله أعلم. انقضى الذي نقلناه من كتاب الارشاد.

ومن قصيدة الشيخ فتح بن نوح المغربي النفوسي: /141/

دنا ونأى معنا يرانا ولا يرى … فما ذاته تحوى بعين ولا أذن

ومن تفسير هذه القصيدة، وقوله: يرانا ولا يرى؛ أي: يرانا بالمشاهدة ولا نراه؛ لأنه لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، وقال - عليه السلام -: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك»(1) وقال: «تعالى لا يراه أحد من خلقه»(2)، نطق بذلك القرآن وصحيح الآثار، ومقتضى العقول.

أمّا القرآن، فقول الله - عز وجل -: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:103]، وقوله تعالى: ﴿لَن تَرَانِي﴾، وقال الربيع بن حبيب - رضي الله عنه - "لن" من حروف الإياس عند النحويين.

وفي صحيح الآثار عن الربيع قال: بلغني عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنّه خرج ذات يوم فإذا هو برجل يدعو ربه شاخصا بصره إلى السماء، رافعا يده فوق رأسه، فقال له ابن عباس: ادع ربك بأصبعك اليمنى، واسأل بكفك اليسرى، واغضض بصرك، وكف يديك، فإنّك لن تراه ولن تناله. فقال الرجل: ولا في الآخرة، قال: ولا في الآخرة، فقال الرّجل: فما وجه قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:22،23]؛ فقال ابن

(1) تقدم عزوه.

(2) ورد في مسند الربيع موقوفا على مجموعة من الصحابة والتابعين بلفظ: «إن الله لا يراه … »، رقم: 855.

٢٬١٩١ / ٣٦٬٧٥٥