الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤٠١فصل: وأمّا الحديث الذي رووه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ترون ربكم لا تضاهون في رؤيته كما لا تضاهون في رؤية القمر ليلة البدر»(1)، فإن كان صحيحا فإن معناه فيما بلغنا تعلمون أن لكم ربا لا تشكّون في أن القمر قمر ليلة البدر، ولا يجوز أن يكون تأويل الحديث على معنى غير القرآن، وقد امتدح الله - عز وجل - بأنه ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:103]، ولا ينبغي أن يكون مدحه ناقصا في جميع ما امتدح به - عز وجل -، فيكون للدنيا دون الآخرة، وللآخرة دون الدنيا، فتدبروا ذلك تجدوه صحيحا.
فصل: فإن قال قائل: لم حملتم الرؤية المذكورة في الحديث على معنى العلم والمسلمون يعلمون في الدنيا أن لهم ربا موجودا لا يشكون فيه، والحديث إنما(2) جاء على معنى الرؤية في الآخرة. قيل له: إن المسلمين يعلمون ربهم في الدنيا كما قلت، ولكن إذا كان يوم القيامة، ورأوا ما فيه من الآيات الظاهرة، والدلائل المعجبة، والأهوال الفظيعة، تأكد عند ذلك علمهم، وقوي يقينهم، وزالت الوساوس عن قلوبهم، علموا بحقيقة المعرفة أن الله حق، ووعده ووعيده صدق، وهذا موجود في لغة الناس، يقول القائل: "هذا الأمر أبين من الشمس وأوضح من النهار" إذا تبين له الأمر على حقيقته.
فإن قال: إنكم أردتم معنى ليس في ظاهر الحديث؛ قيل له: فاحملوا أنتم الحديث على ظاهره /145/ ترونه مشرقا مضيئا مستديرا محاطا به، كما يحاط
(1) تقدم عزوه بلفظ: «سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضاهون في رؤيته».
(2) زيادة من ث.