قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 05

الجزء ٥ · صفحة ٤٠٣

سواء.

مسألة: فإن قال: لم أنكرتم أن يكون الله - عز وجل - يرى بالأبصار في دار المعاد؟ قيل له: أنكرنا ذلك لوجوه:

أحدها قوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ الآية، فهذه مدحة امتدح الله بها، فلا ينبغي أن تنفى عنه في وقت من الأوقات، وأنّه تعالى عظم قول من سأله ذلك، فقال: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ [النساء:153]، فجعل لهم العقوبة بالصواعق على ذلك، فلو كانت الرؤية تجوز عليه جهرة لما استعظم ذلك وعاقب عليه.

فإن قال: ذلك لتعجيلهم الرؤية في دار الدنيا؟ قيل له: جاء الخبر بنفي الرؤية على العموم في الدنيا والآخرة، [وأيضا فإن العموم يقتضي لا يدركه بالبصر في الدنيا والآخرة](1) ولا شيء من الحواس، لأن كل شيء أدرك جهرة لا يخلو أن يدرك كله أو بعضه، ففي تناقض الوصف له بالكل وبالبعض ما يدل على أنه لا يدرك جهرة، وأيضا: لو جاز أن يدرك جهرة كان المدرك له لا يعدو منزلتين:

إمّا أن يدركه في كل مكان أو مكان دون مكان، إدراك الخلق له في كل مكان يستحيل، وذلك أنه ليس في خلقتهم إدراك الأشياء في جميع الأمكنة في حالة واحدة، لأنّ الخلق لا يدركون إلاّ ما لاقى أبصارهم وحاذى حواسهم، وذلك أنهم محجوبون بخلقتهم عن إدراك ما وراءهم، وإن كان الخلق يدركونه في مكان دون مكان، فالحاسة إنما وقعت على شيء دون شيء، فلا وجه لتبعيض

(1) زيادة من ث.

٢٬٢٠٣ / ٣٦٬٧٥٥