الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤١٤لا، ولو كان كذلك للزمه التأدب في حضرة الله تعالى، وأن يسأله سؤال متأدب: هل لي حظ في الدنيا من الرؤية، ولا شك أن هذا كفر قد حكم الله بتكفير من قال ذلك من قوله.
فإن كان موسى سأل قبل قومه أو بعدهم، فحكم الله في جميع عباده واحد؛ فقال الله تعالى في نبيه محمد:
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:145]
بيان: والحق معنا أن النبيء موسى لم يسأل الله تعالى أن يريه ذاته، حاشاه عن ذلك. ومن وصفه بذلك فقد وصفه بالكفر، وكفر بالله تعالى الواصف له بذلك كفرا عظيما، ولعنه الله وأخزاه إلى يوم الدين، وإنما سأل ربه أن يريه من قدرته الخارقة للعادة التي لم يألفها عقله، فقال تعالى: «إن قدرتي لا نهاية لها، وإنك لن تستطيع أن تنظر إلى ذلك، إذ لا يحتمل عقلك، ولكن أريك قدرتي في بعض الأشياء لتعرف ذلك»، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾؛ أي: فلما تجلى تدبير ربه بقدرته للجبل جعله دكا، فلو كان مراد موسى من ربه تجلي الذات عليه وجاء الجواب من ربه أنه لا يستطيع، والدليل على ذلك أن يتجلى للجبل، فإن استقر مكانه فسوف يراه لوجب أن الله يتجلى بالذات أولًا للجبل حتى يعرف موسى حقيقة العجز، ويكون الجبل قد رأى ذات الله، فيكون أشرف من موسى - عليه السلام -، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وإذا قيل: أليس في خلق السماوات والأرض /150/ ما يغني عن التجلي للجبل بصفات القدرة؟ فنقول: نعم، ولكن هذه كرامة اختص بها، وخارق للعادة التي ألِفها، أما ترى إلى النبي إبراهيم قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى