الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤٢٥وثانيها: إنّ النظر لا يكون في حقيقة اللغة بمعنى الرؤية، وذلك لأن النظر في اللغة إنما هو التحديق نحو الشيء طلبا للرؤية، ألا ترى إلى صحة قولهم: "نظرنا إلى الهلال فلم نره"، ولا يجوز أن يقول: "رأيت عبدا فلم أره"، ويدل على صحة ما قلنا قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:198]، فلما أثبت النظر وهي الرؤية صح أن النظر ليس برؤية، ويدل على ذلك قولهم: "انظر إلى فلان، هل تراه"؟ ولا يجوز أن يقال: "رَيْ فلانا هل تراه"؟ وإذا صح ذلك فسد رده إليه، وتفسيره عليه.
فإن قيل: إن النظر وإن لم يكن رؤية فإنه لا يطلق إلا عند الرؤية؛ لأنه لا يقتضيها التعلق بهما، ومتى ما نظروا الرؤية لم يحصل قيد بما يبين عنه، ومتى ما خلا عن التقييد كانت الرؤية حاصلة لا محالة؟ قيل له: هذا تعلق بغير اللفظ الذي هو الظاهر، والتعلق بغير الظاهر لا يصح، وإنما ينبئ عن الرؤية ما يقترن بلفظ النظر دون النظر، وذلك نحو قولهم: "نظرت إلى فلان فوجدته يفعل كذا"، و"نظرت إليه فإذا هو مشغول"، و"نظرت إليه فرأيته يفعل كيت وكيت"، وأشباه ذلك مما /154/ يعرف به أن تلك القرينة لا يصح حصولها دون الرؤية، وإذا كانت كذلك تدل القرينة على الرؤية دون لفظ النظر، وهذا يسقط سؤال هذا السائل، ويدل على أن النظر لا يوجب الرؤية، ولا ينبئ عنها صحة قولهم: "نظرت إلى فلان فرأيته يفعل كذا"، ولا يصح أن يقال: "رأيت فلانا فرأيته".
وأما قول هذا السائل أنه متى خلا عن قرينة بنفي الرؤية كان محمولا على الرؤية فغير مسلّم، وذلك أنه إنما يجب ما قاله: أن لو لم يكن حمل النظر على غير الرؤية، ولا معبرا عما سواها، فإذًا إذا احتمل غير الرؤية وأفاد دون ردها إليه، فلا يجب ما ذكره.