قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 05

الجزء ٥ · صفحة ٤٣٣

وبعد: فليس كل لفظين يرجعان إلى معنى واحد يتساويان فيما يتعدى به عن حرف، وغير ذلك، ألا ترى أن النظر عند الخصم بمعنى الرؤية، فلا يقال: "رأيت إلى فلان"، بل يقال: "رأيت فلانا"، ويقال: "نظرت إلى فلان"، فهذا يسقط استدلالهم وقد يجيء مثل ذلك كثير، ألا ترى أنه يقال: "أمن له" في التصديق، ولا يقال: "صدق له"، ولكن صدقه، وقد تجيء حروف تستعمل تارة بإلى، وتارة باللام، وتارة بغير ذلك، نحو الهدى كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:6]، وقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:23]، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف:43]، وهذا يسقط اعتلال القوم.

فإن قيل: إن المنتظر يكون في غم وحسرة، ولا غم على مؤمن في الآخرة؟ قيل له: إن المنتظر إنمّا يكون في غم متى ما كان شاكّا فيما ينتظره، فأما إذا كان متيقّنا فهو في سرور ولذة، ولذلك قيل: "المأمول خير من المأكول" وإن كان كثير من الناس يختارون لذة النيل، وقد قال: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ [الإسراء:57]، ولا يقول أحد إن هؤلاء الذين يرجون رحمته في غم، أولا ترى أنّه جعل ظن الكفار أن يفعل بهم الفاقرة عقابا لهم وجاريا مجراه. كذلك جعل انتظار المؤمن ثوابه جاريا مجرى ثوابه، وأحد ما ذكرنا من الفضائل التي يختص بها المؤمنين كما جعل نضرة وجوه هؤلاء ثوابا، وبسور وجوه أولئك عقابا، وتحتمل الآية وجها آخر من التفسير وهو أن يكون معناها "ناظرة إلى ثواب ربها" على ما جاء من الصحابة والتابعين، وهذا ظاهر جائز؛ لأن الله تعالى أقام نفسه في غير موضع مقام غيره، قال: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر:2]؛ أي: أتاهم أمره، وقال: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ

٢٬٢٣٣ / ٣٦٬٧٥٥