الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤٣٤أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء:100]، وقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت:26]، وقال: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل:26].
وقد بيّنا في الفصل الأول أن الحذف في الكلام جائز، إذا كان من الكلام دليل عليه أو يستحيل إجراء(1) الكلام على الظاهر، فمتى ما تبين أنّ الرؤية لا تجوز عليه بحجج العقل والكتاب، وجب أن يكون ها هنا محذوفا إليه برد النظر، ألا ترى إنا لما عرفنا بالعقل أن السؤال عن القرية مستحيل في قوله: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:82]، عرفنا أن هناك محذوفا إليه بتوجّه السؤال، وأما ما روي في ذلك من تفسير الصحابة والتابعين، فروى الأعمش عن أبي إسحاق الشعبي عن سعيد بن جبير أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فسأله عن قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؛ فقال: هو كقوله: "ولا ينظر إلى أهل النار برحمة"، وأهل الجنة ينظرون إليه منتظرين لثوابه، وكرامته لهم، لا يرونه بأبصارهم، ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:103].
وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس ?، أنّه خرج ذات يوم، فإذا هو برجل يدعو ربه شاخصا إلى السماء، رافعا يده فوق رأسه، فقال ابن عباس: ادع بأصبعك اليمنى، وشد يدك اليسرى، واخفض بصرك، واكفف يدك، فإنّك لن تراه ولن تناله، فقال /158/ الرجل: ولا في الآخرة؟ قال: نعم ولا في الآخرة.
قال: فما قول الله - عز وجل -: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؛ فقال ابن عباس: أليس يقول: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، ثم قال: إنّ أولياء الله تنضر وجوههم يوم القيامة وهو الإشراق، ثم ينظرون إلى ربهم معناه
(1) في ث زيادة: آخر.