قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 05

الجزء ٥ · صفحة ٤٣٦

تعالى: ﴿تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾، والتجلي هو الظهور والكشف، وإذا جاز أن يظهر للجبل جاز أن يظهر لغيره.

الجواب هو: إنّا نبين أولا أن ظاهر الآية لا يدل على مذهبهم، ويسقط تعلقهم، ثم نبيّن تفسير الآية على وجه رفعة اللغة والعقل.

فنقول -وبالله التوفيق-: إنّ تعلقهم بهذه الآية يتناقض من وجوه:

أحدها: إن الله تعالى أجاب في هذه الآية بأنّه لا يراه، بلفظ محكم ظاهر جلي ولا يحتمل التأويل، عام لا تخصيص فيه، ومعلوم أن موسى علم متى خرج عن أن يكون يراه، فلا مطمع لغيره في ذلك، فالآية على نفي الرؤية أدل منها على إثباتها.

وثانيها: إنّه علق رؤيته بما يستحيل كونه، والشيء إذا علق كونه بما يستحيل حصوله استحال، ألا ترى أنه لمّا علّق دخول الكفرة الجنة بدخول الجمل في سم الخياط فقال: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:40] استحال دخولهم فيها من حيث علّقه بما يستحيل حصوله، فكذلك لمّا علق الله تعالى رؤيته بما يستحيل كونه، وهو استقرار الجبل في حال اندكاكه؛ إذ محال سكون الشيء في حال تركه، وذلك يوجب استحالة رؤيته، فأمّا تعلقهم بسؤال موسى - عليه السلام - إيّاه ذلك فغير صحيح لوجوه:

أحدها: إنّه سأل ذلك في دار الدنيا، ولا خلاف أن رؤيته في دار الدنيا غير جائزة فسقط تعلقهم، ويلزمهم في ذلك ما أرادوا أن يلزمونا.

وبعد: فإن ذلك إنما يلزم إن لم يكن لسؤاله وجه سوى ما ذهب وهم القوم، فأمّا إذا كان له وجه آخر يتوجه إليه السؤال فتعلقهم ساقط، فأحد ما يجوزه توجيه سؤاله إليه فهو أنه يجوز أن يكون سؤاله ذلك سؤالا عن القوم لا عن

٢٬٢٣٦ / ٣٦٬٧٥٥