الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤٣٧نفسه، وإنما أراد أن يرد الجواب عنه فرد فتحقق القوم أنّه لا يرى، ألا ترى إلى /159/ قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة:55]، فموسى - عليه السلام - لماّ طالبوه برؤيته ولم يقنعهم في ذلك، زجر موسى لهم وإخباره إياهم، أنه لا يكون سائله موسى ذلك عنهم، عالما بأنّه يرد منه من الجواب ما عنده تقع الغُنية، ويقلع(1) القوم عن المطالبة، ولذلك ورد الجواب مصرحا غير مضمر، وجليا غير خفي بقوله: ﴿لَن تَرَانِي﴾.
وأظهر من الآيات ما يظهر عند مثله في شدة الإنكار وبليغ الزجر، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:88 - 92] فلما اندك الجبل عند سؤاله ذلك كان فيه غاية الإنكار له؛ إذ كان ذلك ممّا أوعد بأنه يكاد أن يحدث عند زعمهم أن لله سبحانه ولدا مثبتا أنّ القول بالرؤية أيضا هي القول باتخاذه الولد أو يزيد عليه، إذ قال في اتخاذ الولد "تكاد" وفي الرؤية حصل ذلك، فكم بين الأمرين.
وثانيها: إنّه يجوز أن يكون موسى إنمّا سأل ربه - جل جلاله - ذلك عند خطور ذلك بباله، فكانت تلك حال نظره في جوازه وامتناعه، وأراد أن يعرف ذلك من جهة السمع؛ فقد بيّنا في الفصل الأول أن المعارف على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعرف بالعقل ما لا يعرف بغيره.
(1) هذا في ث. في الأصل: ويقنع.