الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤٣٩وبعد: فالظهور بما لا يحس ولا يدرك محال، فلمّا استحال ذلك فالموصوف به من التجلي، والمتجلي له وجب صرف الآية إلى غيره، كما أنّه لما استحال السؤال عن القرية وجب صرفه إلى الأهل، ولما استحال إثباته تعالى بثباتهم صرف إلى غيره.
وبعد: فلو أراد تجلي ذاته لم يكن لذلك معنى، إذ لا يخلو التجلي في ذلك من أن يكون مرادا به المقابلة أو الظهور، فلو أريد به المقابلة فصار الجبل دكًّا لما تجلى بمعنى المقابلة، يوجب أن لا يستقر له مكان في العرش وغيره لم يصر دكا، وإن أراد ظهر لكان لا يصح أن يعلّق نفي الرؤية بأن لا يستقر /160/ الجبل، والمعلوم بأنّه لا يستقر، بأن ينكشف ويرى؛ لأنّ ذلك في حكم أن يجعل الشرط في أن لا يرى ما يوجب أن يرى، وذلك متناقض، وأمّا تفسير الآية فقد بيّنا أنّه يحتمل وجوها ثلاثة:
أحدها: أن يكون ذلك لقومه من حيث لم يقنعهم زجره إياهم عن ذلك، ومن حيث عزموا القول بترك الإيمان به دون رؤيته جهرة، وأحب أن يرد الجواب في ذلك من عنده بما فيه مقنع للقوم.
وثانيها: أن يكون ذلك لأجل أنّه كان عند أوّل خاطر يخطر بباله في باب الرؤية والنظر في جوازها واستحالتها، فأحب أن يقف على ذلك من جهة السمع.
وثالثها: أن يكون إنمّا سأل ربه أن يريه من آياته وإعلامه ما يوجب له العلم الضروري، فتزول عنه الخواطر والوساوس، كما سأل إبراهيم - عليه السلام - أن يريه من إحياء الموتى ليطمئن قلبه مع أنّه كان مؤمنا به، وتزول الشكوك والشبة العارضة في باب الاكتسابات فيدل على ذلك أن الإجابة له وقع على ما لاحظ له في