الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤٤٢وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ} [البقرة:223]؛ فكيف يجوز أن يأمرهم باتقائه، ويحذرهم من لقائه، وهم متى اتقوه لقوه بزعمهم؟ ومتى لم يتقوه لم يلقوه؟
ويصحح ما قلناه قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، ثم قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِي (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق:7،8]، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِي (10) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق:10،11]؛ فجعل الفريقين من جملة من توعّدهم بلقائه، وقد بينا أن التوعد بذلك لا يصح على مذهب القوم، لأن لقاءه من أفضل الثواب.
وثانيها: إن اللقاء لو كان المراد به رؤيته لوجب أن يراه الجميع لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الإنشقاق:6]، ثم فسر ذلك بقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِي﴾، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِي﴾؛ فجعل الفريقين من جملة من توعّدهم بلقائه، فهذا يوجب ملاقاة جميعهم له، وهذا ما لا يسمح القوم به، ووجب أن يلقاه المنافقون لقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة:77]، فأخبر أن المنافقين يلقونه يوم القيامة.
وثالثها: إنه أخبر أنهم الذين يعلمون ويعتقدون بأنهم ملاقوا الله، وعند القوم إنما يراد المستحقون لرؤيته دون من لا يستحقه، ولا خلاف بين الأمة أنه ليس أحد يعلم يقينا أنه مستحق الثواب، وإذا كان كذلك لم يجز أن يعلم أحد أنه يراه، فصحّ أن ملاقاته الذي أخبر أنهم يلقونه ويعتقدونه غير الرؤية.
ورابعها: إنّ الملاقاة مفاعلة من اللقاء، وسنبيّن بعد أصل اللقاء استقبال الشيئين أحدهما الآخر، وإنمّا يستعمل في الرؤية مجازا؛ فظاهر اللفظ يقتضي أنهم