الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤٥٤ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:15]؛ قالوا: فإذا كانوا محجوبين فلا بد أنّ مخالفيهم من المؤمنين غير محجوبين منه، وذلك يوجب رؤيته؟
الجواب هو: إن القوم لجهلهم لا يتفكرون فيما يحتجون به، فلا يبالون حيث حلوا من التناقض، فتارة يحتجون على إثبات الرؤية بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:15]، وتارة يحتجون باللقاء الذي أشرك الله تعالى فيه المنافقين وتوعّدهم به، على أنّه ليس في ذكر هؤلاء محجوبون إثبات لكون غيرهم غير محجوبين؛ لأن اللفظ لا يدل عليه ولا ينبئ عنه، والمتروك ذِكره لا يدل على أنّه بخلاف المذكور، بل يكون موقوفا على الدليل.
فأمّا معنى الآية فهو أنه إنما جرت العادة من الإخبار عن سوء حال الغير عند السلطان ومن يجري مجراه بأنّه غضب عليه، وأنه لا ينظر إليه، ولا يكلمه، وأنه أبعده من عنده، وحجبه عنه، وليس يأذن له في الدخول عليه، أجرى الله تعالى في الإخبار عن حال ممن يسوء حاله في الآخرة في بعض هذه الألفاظ، وإن لم يكن ذلك جائزا على الله تعالى فقال: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ [النحل:106]، وقال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:7]، وقال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:60]، والغضب في الحقيقة لا يجوز عليه، وقال: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةٌِ﴾ [آل عمران:77]، ولا يجوز أن يكون الله غير راء لهم، وقال: ﴿أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة:80] والسخط عليه لا يجوز، وإذا تقرر ذلك فمعنى قولهم: ﴿إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:15] إخبار عن سوء حالهم، وأنهم مبعدون /166/ عن