قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 05

الجزء ٥ · صفحة ٤٥٨

فإن قلت: إن السؤال المذكور لأجل قومه حيث قالوا له: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:55] فسأل ليعلموا امتناعها كما علمه هو فنقول هؤلاء القوم إن كانوا مؤمنين كفاهم قول موسى - عليه السلام -؛ أن الرؤية ممتنعة ولنهاهم عن ذلك كما نهاهم عن جعل الآلهة بقوله: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:138].

وإن كانوا كفارا لم يصدقوه في حكم الله بالامتناع وأيا ما يكون السؤال عبثا لا فائدة فيه انتهى.

ويقال على أثره أما رسل الله وأنبياؤه فهم أعرف الخلق بالله وأعلمهم بآياته وبما يجوز عليه ويستحيل من صفاته ولا نزاع في هذا بين أحد، وكيف يجوز القول بغيره في حق موسى الكليم وهو رأس العارفين بربه العليم عليه أفضل صلاة وتسليم، وأما سؤاله الرؤية مع علمه بامتناعها البتة وعدم إمكانها على الأبد فلأمر ما، وهو أن قوما عنده لم يُجدهم النهي ولم يكفهم الزجر ولم تنجح فيهم الموعظة ولا الإنذار ولا الأعذار، ولا كانوا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، خلق الله لهم البحر وأغرق فيه بقدرته الخصم؛ فقالوا: يا موسى ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:138]، وأسمعهم كلامه بلا واسطة؛ فعظم مكرهم واشتد كفرهم، وكافحوا رسولهم بالكفر مواجهة بقولهم ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:55]، وقد كانوا لشدة ما بهم من العتو والاستكبار، يقادون إلى الإيمان بسلاسل القهر والإجبار، وتلك سنة الله فيهم؛ فقد أبوا عن قبول ما في التوراة من الشرائع والأحكام فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة وظنوه واقعًا بهم، وناداهم منادي الحق ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف:171]، ولم ييأس موسى - عليه السلام - من عدم قبولهم لقوله واستماعهم لنهيه عن طلبهم الرؤية،

٢٬٢٥٧ / ٣٦٬٧٥٥