الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤٥٩سألها ليسمع لهم الجواب عن الله بما يلقمهم الحجر، ويبني سد اليأس بينهم وبين ما لا سبيل إليه لأحد من البشر. ولعظم هذه الجراءة منهم، وشناعة هذه الطلبة، وقبح كفرهم بمسألة /168/ الرؤية أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون، كما سلط القتل على عبدة العجل إذ هم جاهلون، فأي عبث في السؤال على هذه الحال، ولو اقتنعوا بالنهي واكتفوا بالزجر لما قالوا ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:55] وهل يكون هذا إلا بعد محاورة وخطاب، وزجر وعتاب؛ إذ قالوا أرنا الله جهرة، فلو فعل ذلك ابتداء إذ قالوه، ولم يمتنع منه إذ سألوه، لما ألجأتهم ضرورة العتو، وشدة الشكيمة في الشرك والغلو، إلى أن يقولوا لرسولهم: لن نومن لك جزما حتى نرى الله جهرة، فأراد أن يسمعهم من كلام الله ما ينفي طمعهم، ولكون تلك الكلمة مما يقطع به الأرض وتخر منه الجبال هدّا، عاقبهم الله بصاعقة تشملهم هلكا، وقال لموسى انظر إلى الجبل فلما تجلت عليه آية منه جعله دكّا، ولكون موسى لم يرد حقيقة ذلك قال ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ﴾ [الأعراف:155] فقد دلت الآية الشريفة على معان:
أولها: إنّ سؤال الرؤية على الحقيقة لم يرده موسى - عليه السلام - بدليل قوله ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف:155].
وثانيها: إنما هي فتنة؛ أي: نوع بلاء واختبار يعلم بها إيمان أهل اليقين، وتزلزل أهل الشك المرتابين.
وثالثها: إنّ قومه سفهاء جهلة.
ورابعها: هم الواقعون في الفتنة بها، وكونها محمولة عليهم دونه بدلالة ما سبق.