الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤٦٤وأما قوله: وأيضا فاختلاف أكابر علماء هذه الأمة وأحبارهم وهم الصحابة رضوان الله أجمعين، وذلك كترجمان القرآن وبنت الصديق الأكبر في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل رأى ربه ليلة المعراج أم لا؟ بعضهم قال: رآه. وبعضهم قال: لم يره دليل الإمكان. انتهى.
ولا بأس أن يقال له: قد تنازعت الأمة واختلف العلماء في نفس هذا الاختلاف بين الصحابة في مسألة هذه الرؤية فأنكره المحققون، وأبطله الجهابذة ولم يثبته السلف الذين هم الحجة، وإن أثبته الأشاعرة منفردين بروايته دون سائر الفرق؛ فلا حجة لمختلفٍ فيه ولا برهان بمتنازع في أصله، اللهم إلا أن يكون الخلاف لفظيا فلا يعبؤ به، وإلا فكتاب الله شاهد على بطله وكفى.
ومن العجب كيف يكون لنبي أو رسول بلغ عن ربه أنه لا تدركه الأبصار ثم يقول: أنا أدركته ببصري ورأيته بعين رأسي، وهل يفعل هذا إلا مبرسم غلب على قلبه، ومن الواجب تنزيه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مثله.
وأما قوله: وأيضا فكما أنه (مخالف لمخلوقاته في جميع صفاته فكذلك رؤيتنا له مخالفة لرؤية بعضنا لبعض؛ فلا تشترط في رؤياه الجهة والمقابلة وعدم المانع كما اشترطت الفلاسفة فذلك أمر عادي والقيامة محل خرق العادات. انتهى.
ويقال له: إن سلمت إبطال الرؤية المعهودة ورجعت إلى كونها رؤية أخرى من جنس خرق العوائد؛ لأن القيامة محل خرق العادات؛ فاعلم أن خرق العوائد غير ممتنع في الدنيا ولا في الآخرة؛ بل معجزات الرسل وكرامات الأولياء كلها خرق عادة، وإلا فلا معجزة ولا كرامة، وهذا باطل. وإذا ثبت خرق العوائد في الدنيا وكان هذا من باب خرق العادات؛ فأي مانع من كونه في الدنيا كرامة لموسى
- عليه السلام - أو معجزة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - حتى ترى أمته ربها وقد سأل قومه ذلك كما سأله قوم موسى من قبل إن كان هو الجائز والممكن على قولكم، ثم إن كان هذا من باب خرق العوائد فقط فلا يجوز في /171/ هذه الرؤية أن تكون باليدين أو الرجلين أو بهامة الرأس أو بالأنف أو بالأذنين؛ فذلك أظهر في خرق العادة؛ وأدل على عظيم القدرة، وأي مانع من كونه كذلك، والله لا يعجزه شيء، ولعلها أن تكون قد كانت لا بعين ولا بقلب ولا بأذن ولا بشيء من الجوارح البتة، ولا بشيء من الحواس الظاهرة، ولا من القوى الباطنة، وإنما هي بخرق العادة، وبأن الله لا يعجزه شيء، وإذا أمكن التعلق بالقدرة في المستحيلات فكل هذا ممكن لكنه مستحيل كقول المتعنت: "هل يقدر الله أن يحدث في الكون شيء لم يخلقه هو"؛ ولا جواب له إلا أن هذا مستحيل غير مضاد القدرة، ولا معجز لها ولكنه محال، والله منزه عنه (عما يقول المبطلون علوا كبيرا؛ فكذلك رؤيته (على غير سبيل النظر، وإدراك البصر، مستحيلة متضادة متناقضة لتؤديها إلى رؤية غير مرئي من ناظر لم ينظره بعينه، وإنما هي خرق عادة لا تكييف لها، وما هي إلا دعوى مدع لم يأت عليها ببرهان واضح، ولا حجة قيمة ولا دلالة صدق من كتاب ولا سنة ولا إجماع أمة؛ فيا معشر المدّعين هل من بينة حق أو برهان مبين، أم هل عندكم سلطان بهذا عن الله فأتوني به إن كنتم صادقين، أم تقولون على الله ما لا تعلمون؛ فاتقوا الله، وارجعوا إلى الحق واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، والله أعلم، وبالله التوفيق.
مسألة: ومنه: ما قولك في الإنسان إذا شك واعتقد أنه سبحانه تراه الوجوه يوم القيامة رؤية بعين الرأس جهلا منه على غير تأويل، أيبلغ به شكه ذلك واعتقاده إلى كفر شرك أم هو منافق. وكذلك إذا شك واعتقد أن الله يبصر بعين