قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 05

الجزء ٥ · صفحة ٤٧٩

مَدْيَنَ} [القصص:23]؛ يعني قرب منه، ولم يرد أنه خاض وسطها، ولا تعلق أيضا في ذلك لهم بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ [مريم:72] الآية، لأن الإنجاء إنما يكون من المخوف لا من الواقع، ولذلك يقال: "نجيت فلانا من القتل ومن الضرب"، وإنمّا نجّيته من قتل لم يحل به، ومن ضرب لم يقع به، وقد أجبنا بما في ذلك كفاية في فصل الوعيد، فأما معنى الآية فالواجب أن يبين:

أولا: إنه لا يجوز دخول الأنبياء والمؤمنين النار، والذي يدل على ذلك آيات من القرآن منها قوله تعالى في هذه السورة: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (71) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:86،85]؛ فبين ونص على أن الذين يسوقهم إلى جهنم وردا هم المجرمون، وأن المؤمنين يحشرهم إلى الرحمن وفدا، وكيف يجوز مع هذا أن يقال ذلك في الفريقين؟

وقال أيضا تعالى في الأنبياء ?: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:101]، وقال أيضا: ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:101]، وقال أيضا: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:103]، وقال أيضا: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم:8] الآية مع قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:192]، وقال أيضا تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:59]؛ أي: تميزوا من المؤمنين، فكيف يأمرهم بالتمييز منهم وجميعهم يساقون إلى النار؟ وقد قال تعالى في الكفار: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء:168،169]، فلو كان الجميع لم يكن لتخصيص هؤلاء بأنه لا يهديهم إلاّ طريق جهنم معنى، وقال تعالى في ذكر المنافقين حاكيا عنهم حيث يقول للمؤمنين الذين يسعى نورهم بين أيديهم: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد:13] الآية إلى آخرها،

٢٬٢٧٦ / ٣٦٬٧٥٥