الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤٨١الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [الأعراف:160] فرجع عن الإخبار عن الغائب إلى مخاطبة أولئك(1) ويجوز أن يعني به "وإن منهم"، وإن كان رجع عن لفظ الغائب إلى الخطاب، كقوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس:22]، فرجع من الخطاب إلى الغائب، فهذا كثير في القرآن والشعر، لا ينكر ذلك عارف بهما، ومتى ما فسّرت الآية على ما يقولونه، أدى ذلك إلى تناقض ما ذكرناه من الآيات، وإلى إبطال أدلة العقل؛ فكل تفسير يؤدي إلى ذلك فهو غير صحيح، وتفسيرهم هذا من التفاسير التي سميناها تفكيك الكلمة، وهو أن يأخذوا آية من بين قصة أو كلمة من بين آية، فيتعلقون بها ولو رجعوا إلى أول الكلام وآخره لدلهم على الصواب.
فصل: ومنه: في موضع آخر فيما يتعلق به في نفي التخليد، تعلقوا في ذلك بآيات فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:72،71]، قالوا: فبين أنه ينجي المتقين من النار ويخرجهم منها.
الجواب: هو أن الورود ليس هو الدخول؛ فقد قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص:23]، ولم يرد أنه دخل فيها، وإنما أراد قربه منها.
وأما قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ [مريم:72]؛ فهو يدل على أنه لا يدخلهم النار؛ لأن النجاة المعقولة هكذا تكون، ألا ترى إلى قولهم: "نجيت فلانا من القتل"، و"نجيته من الضرب"، وإنما ينجي من المخوف دون الواقع، وكذلك قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾؛ أي: لا ندخلهم فيها، كما قال تعالى:
(1) في ث زيادة: المخاطبة.