الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤٩٢ملائكتها، وبذهابهم عنها ترد ملائكة النعيم، فينبت في موضعها شجر الجرجير، وهي الخضرة، وأنّه لأحسن لون في الجنة، فانعكس ما كان جحيما فصار نعيما، كما هو في قصة إبراهيم - عليه السلام -؛ إلاّ وأن قوله في كل واحدة من طبقاتها أن خروج أهلها لا يكون حتى يخوضوا في جميع دركاتها، وربما أنزلوا من الأعلى إلى ما تحتها تشديدا أو نقلوا من الأسفل إلى ما فوقها تخفيفا، وأنّه كلما خلق الله لهم عذابا، فأنزلهم جعل فيهم قوة على حمله، وإلا لهلكوا فانعدموا واستراحوا، فإذا رفع عنهم عذابا وجدد لهم آخر لم يزل عنهم القوة الأولى؛ لأنها موهوبة بيد المنة فلا يسترجع الحق في هبته، والعذاب نازل بيد القهر فله أن يرفعه، ويجعل /183/ غيره، ولا يزالون في كل عذاب يزدادون قوة، حتى يظهر فيهم بتواتر تلك القوى قوة إلهية، فإذا ظهرت فيهم هذه القوة جرهم إلى أن يضع الجبار فيها قدمه، لأنّ صفات الحق لا تظهر في أحد فيشقى بعدها.
وعلى هذا من قوله إلاّ ما تغير من لفظه، فزاد أو نقص أو تقدم أو تأخر، فكأنه يأتي على جميع من دخلها من البرية لشرك أو نفاق، حتى إبليس وغيره من مدّعي الربوبية، وإن لم نذكره في هذا الموضع لفظا فقد تضمّنه معنى الآية؛ لأنه قد عمّ من أنزلها في هذا التلبيس فلم يخص به أحدا دون من سواه من أهلها فجاز لعمومه، أن يحمل على ظاهر مفهومه، وكفى بما قد صرح به فأفرده في موضع آخر فقال على أثر ما أورده من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص:78]، فلم يلعن الحق إلاّ إبليس، وما كان من اللعنة على الظالمين والفاسقين وغيرهم، فكلّ ذلك بطريق الاتباع له، فاللعنة بالأصالة على إبليس، وبطريق التقريع على غيره.
وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ حصر، فإذا انقضى يوم الدين فلا لعنة عليه