الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٥٠٠في عدله، بل لو ذهب من الجنة نعمها أو من النار نقمها، لبطل اسمها، ومن المحال أن يكون في حال لا موضع لما فيهما من شيء لأهلهما وضع؛ لأنه محمول، فلا بد له من حامل يقوم به فيكون عليه، ألا وإن في بقاء الديار في هذا الموضع، ما دلّ على بقاء الدار، ومتى اضمحل الموضع لقيامه، تلاشى في الحال ما به من شيء أودع، ولم يجز أن يبقى على حال، في غير محل؛ لأنه اسم لما جمع، نعم، وإن كانوا فريقين فأتوهما بعد حشرهما من طريقين، حتى بلغ كل منهما إلى داره، فأدخل هذا على الرضى في جنته بسلام، وأودع الآخر كرها إلى ناره، فإنهم يكونون فيهما على منازل، فلا يعد أحد منهم ما له فيهما من مقام إلى ما دونه أو زاد عليه من درجة في منزل أو دركة، لقوله تعالى في أهل الجنة: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام:132] ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:49]، وقوله في أهل النار: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:38]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:145]، فصح أن لهذه دركات بعضها أسفل من بعض، وأشد نكالا، وأصلى سعيرا، كما أن لتلك درجات بعضها أعلى من بعض، وأكثر نوالا، يراه فيعرفه من كان بهما بصيرا، وتالله ما من أحد إلا وله في حلوله مقام معلوم لنزوله، خلافا لمن قال في جهنم: إنه ليس فيها ترتيب، بل هي على نمط التساوي، فإنه ظاهر الغلط لما يقوله تعالى في المنافقين من دليل على أنهم أشد عذابا من المشركين، وإن كانوا في عذابها مشتركين، فإنهم في الدرك الأسفل من النار وبئس القرار، لا ملجأ لأحدهم عنهما في يوم، ولا مخرج لهم منها على الدوام، لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ