قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 01

الجزء ١ · صفحة ٢٣٠

فصل: فإن قال قائل: في الآية ما يدل على أن من ترك المندوب أو المباح أو الواجب أنه ترك سبيل المؤمنين، وحصل في الوعيد؟ قلنا: التصرف في هذه الأمور هو سبيل المؤمنين ما لم يخرج منها كلها أو بعكسها قولا؛ وذلك إن ترك المباح إلى المندوب فقد اتبع سبيل المؤمنين، وإن ترك الندب إلى الواجب فقد اتبع بعض سبيل المؤمنين، وأما في القول فلا يترك قول المؤمنين في واحدة منهن إلا خرج عن سبيل المؤمنين.

ودليل آخر من كتاب الله - عز وجل - قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:110] فكما قدمنا، ووجه الدلالة فيما قلنا لَما وصفهم الله تعالى - عز وجل - بهذا الشأن العظيم أوجب للخلق اتباعهم في فعل المعروف وترك المنكر، وجعلهم حجة؛ إذ أطلق لهم هذا الاسم، فما أتت به هذه الأمة من الفرع كان سبيلا لهم معروفا، وما نهت عنه كان منكرا متروكا؛ فمن اتبعهم اهتدى فاجتماعهم أولى، وهذه الآية أيضا دلالة على سوغ الاختلاف لأهل الاجتهاد.

ودليل آخر قول الله - عز وجل -: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّ‍ينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة:213] إلى أن قال: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:213]؛ ووجه الدلالة أن الله - عز وجل - وعد هذه الأمة الهداية في كل ما اختلف فيه 120 س الأمم قبلهم، فإن قصره على البعض فالإجماع أولى. وذكر الله - عز وجل - هذا في معرض الامتنان والتعظيم والإحسان والتفخيم، وفيه الرد على من قال: إن اجتماع الأمة يعلم من جهة العقل، فهو والغير سواء في جواز الخطأ عليهم، ولكن الله تعالى يمن على من يشاء من عباده.